رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

313

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

يعرف قدر نفسه بأن يحفظ شأنه وقدره اللائق به ، مثلًا إن كان من بيت الشرف والنجابة منخرطاً في سلك العلماء ، تحرّز عن زيّ الشرطي والسوقي وفِعالهما ، ولكن كان ذلك منه متلبّساً بقلبٍ سليم ونفسٍ خاضعة ، لا على وجه الترفّع والنخوة ، وكون هذه المعرفة من التواضع باعتبار أنّ هذا القدر والمنزلة نعمة من اللَّه تعالى عرضت لنفسه ، فحفظ ذلك تعظيم للَّه‌ولنعمته وتواضع لهما . وفي الحديث : « ليس للرجل السريّ أن يحمل الشيء الدنيّ فيجترأ عليه » . « 1 » وفي الصحيفة الكاملة في دعاء مكارم الأخلاق : « وأعزّني ولا تَبْتَلِيَنّي بالكِبر ، ولا ترفعني في الناس درجة إلّاحططتني عند نفسي مثلها ، ولا تُحْدِثْ لي عزّاً ظاهراً إلّا أحدثتَ لي ذلّةً باطنة [ عند نفسي ] بقدرها » . « 2 » ويُحتمل أن يكون المراد أن يعرف أنّ نفسه خُلقت من صلصالٍ من حمأٍ مسنون ، وخرجت من ممرّ البول مرّتين ، فينزلها في مظانّ التكبّر منزلتها . والتواضع في هذا الاحتمال أظهر . نُقل أنّ السلطان محمود اشترى عبداً اسمه « أياز » ثمّ ربّاه حتّى رقى به إلى ذروة سنام العزّ والجاه ، فحسده امراء السلطان ، فسعوا به عنده وقالوا : إنّ له بيتاً مقفّلًا يختزن فيه نفائس ما يخول في أموال السلطان ، ولا يأتمن عليها أحداً ، وإذا دخل البيت دخل وحده فأغلق الباب ، وإذا خرج قفله من ساعته ، فأمر السلطان أن يكسروا الباب بغتةً ويأتوه بما في البيت ، فلمّا دخلوا لم يجدوا غير قلنسوة ، وقميصٍ خلقة ، وحذاءٍ عليه رقاع كثيرة ، فسأل السلطان إيازاً عن حقيقة الحال ، فقال : إنّ هذه الثياب هي التي كانت عليَّ عندما اشتراني السلطان حفظتها ، فكلَّما أجدُ في نفسي ترفّعاً بسبب تشريفات السلطان أدخل البيت وألبسها ، وأعظ نفسي بأنّك صاحب هذه الثياب ، وكلُّ ما سواها فمن عطايا السلطان ، فلا تنسَ نصيبك من الدنيا ، فيخضع ويتواضع نفسي ، ويفيق من

--> ( 1 ) . الكافي ، ج 6 ، ص 439 ، باب التجمّل وإظهار النعمة ، ح 7 ؛ الخصال ، ص 10 ، ح 35 . وعن الكافي في وسائل الشيعة ، ج 5 ، ص 12 ، ح 5757 . ( 2 ) . الصحيفة السجّاديّة ، ص 92 ، الدعاء 20 .